«هوس» تصوير الحوادث.. نرجسية تغذيها مواقع التواصل

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

تحقيق: محمد الماحي

تصوير الحوادث هوس يرضي «الأنا» التي تتضخم مع زيادة عدد المتابعين وعدد الإعجابات على الصور ومقاطع الفيديو، وتضخم «الأنا» نتيجة طبيعية لنرجسية تغذيها مواقع التواصل، ورغم تعدد القوانين التي يمكن استخدامها لمعاقبة من يقومون بالتصوير فإن «الهواية» اللاإنسانية التي تقوم على تصوير الغير لم تتراجع حدتها ما دفع المشرع الإماراتي إلى تعديل واضح لقانون الجرائم الإلكترونية.. سلوك مشين يعكس كيف طغى الهوس بالسوشيال ميديا والرغبة في الشهرة وتحقيق الانتشار على قيم إنسانية أصيلة يجب أن يتحلى بها الجميع!

انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تصوير الحوادث ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي في مشهد غير حضاري لا يتفق مع قيم المجتمع، ومبادئ ديننا الحنيف الذي يحث على مساعدة الغير، خاصة في أوقات الحوادث والمصائب.

وفي ظل وعي المُشرِّع الإماراتي بهذا التحول المخيف في سلوكيات البعض، أغلق الباب أمام تصوير الحوادث بمواد رادعة وقوية، وذلك في القانون الجديد رقم 34 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، الذي تضمن تعديلاً بالغ الأهمية في هذا الشأن، إذ جرم في مادته رقم 44 تصوير ضحايا الحوادث، سواء كانوا موتى أو مصابين، ونشر صورهم أو نقلها.

وتعد المادة المشار إليها نصاً بديعاً ومحكماً؛ لأنها تناولت بشكل مفصل حرمة الحياة الخاصة، وسبل حمايتها بإطار قانوني محكم ورادع، فتنص على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر والغرامة التي لا تقل عن 150 ألف درهم ولا تزيد على 500 ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استخدم شبكة معلوماتية أو نظام معلومات إلكترونياً أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، بقصد الاعتداء على خصوصية شخص أو على حرمة الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد من غير رضا، وفي غير الأحوال المصرح بها قانوناً.

المساءلة القانونية

عشرات الفيديوهات والصور ترفع يومياً على مواقع التواصل لحوادث وقعت في مناطق مختلفة، حتى أصبح تصوير الحوادث ظاهرة نفسية اجتماعية ومن «الأمور العادية»، ومن لا يقوم بذلك لا يسير مع الركب، تفشي الظاهرة دفع وزارة الداخلية للتحذير من التجمهر والتصوير أثناء الحوادث، واعتبرته من أبرز السلوكيات السلبية التي تتسبب في تفاقم الحوادث وعرقلة وصول فرق الإنقاذ وتقديم الرعاية الأولية للمصابين، فضلاً عن إلحاق الضرر النفسي بالمصابين وذويهم، محذرة من أن تصوير الضحايا ونشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي يُعدّ انتهاكاً لخصوصية الأفراد.

ونبهت وزارة الداخلية إلى أن التجمهر بهدف الفضول أو التصوير، يعرض المتورطين للمساءلة القانونية، داعية السائقين إلى عدم التجمهر في أماكن الحوادث المرورية وإيقاف المركبات لالتقاط الصور، باعتباره سلوكاً سلبياً يشكل خطورة على الجميع.

ونصحت السائقين الذين يقفون لتقديم المساعدة الإنسانية للمصابين، باتباع الخطوات الصحيحة بإيقاف مركباتهم، وتشغيل الإشارات التحذيرية في مركبة الشخص المصاب، ووضع مثلث تحذيري خلفها؛ لتنبيه المركبات القادمة في الاتجاه نفسه، لتفادي وقوع حوادث مرورية أخرى.

مركبة فارهة

حين تظهر حالة الهوس والتطفل لدى الموجودين في مكان وقوع حادث يسارعون برفع هواتفهم لتصوير الحدث، دون أن يكترث أحدهم بتقديم المساعدة والإنقاذ.. إنهم يصورون الضحايا كأنهم يقولون «إنه يموت هيا نصوره !»، وتجلى ذلك عندما قام عشريني يحمل جنسية دولة خليجية بتصوير ونشر فيديوهات لجريمة قتل راح ضحيتها شابان في العشرينيات من عمرهما، إثر مشاجرة وقعت بالسلاح الأبيض في عجمان، وتم القبض عليه بعد مرور ساعة من المقاطع والصور.

وفي واقعة أخرى ضبطت شرطة دبي، شاباً صور مركبة فارهة، كانت تقف في موقف مخصص لأصحاب الهمم، ورغم مخالفة مالكها نتيجة الصورة، إلا أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المصور أيضاً، كما قبضت شرطة دبي، أخيراً، على أربعة شباب صوروا مشاجرة بين أربع نساء مخمورات يتشاجرن في محطة بترول بعد تحرير بلاغ من جهة تضررت من التصوير.

ظروف صعبة

وحذّر خبراء ومختصون من ظاهرة «تصوير الحوادث»، مؤكدين ل «الخليج» أن مثل هذا السلوك ينتهك حرية وخصوصية الآخرين في «ظروف صعبة».

وأشاروا إلى أنه من حق الشخص المتضرر أو الذي تم تصويره مقاضاة المصور، حتى لو كان المتضرر مجرماً أو مطلوباً، موضحين «لا يحق لأي شخص التصوير دون علم حتى لو كان بهدف نبيل».

ونبه المحامي والمستشار القانوني عبدالله الكعبي، الفضوليين من عقوبة تصوير ضحايا حوادث الطرق، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تُعد في نظر القانون جريمة انتهاك حرمة حياة الغير، تصل عقوبتها إلى الحبس ستة أشهر وغرامة تصل إلى نصف مليون درهم.

وقال: «إن المادة (44) من قانون الشائعات والجرائم الإلكترونية في البند الرابع منه، تقضي بعقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن 150 ألف درهم، ولا تزيد على 500 ألف درهم، لمن يستخدم الشبكة المعلوماتية بقصد الاعتداء على خصوصية شخص أو على حرمة الحياة الخاصة، أو العائلية للأفراد، من غير رضا، وفي غير الأحوال المصرح بها قانوناً بإحدى الطرق، ومن ذلك التقاط صور المصابين أو ضحايا الحوادث أو الكوارث أو نقلها أو نشرها بدون تصريح أو موافقة ذوي الشأن».

وأشار إلى أنه من حق الشخص المتضرر أو الذي تم تصويره مقاضاة المصور، حتى لو كان المتضرر مجرماً أو مطلوباً، لافتاً إلى أنه «لا يحق لأي شخص التصوير دون علم حتى لو كان بهدف نبيل».

ونبه إلى أن تصوير الضحايا والموتى، يمسّ بشكل مباشر مشاعر ذويهم وإحساسهم؛ لأنهم يمكن أن يرفضوا أن يشهر أحدهم بولدهم أو معيلهم، أو أنهم لا يرغبون بأن يبقى هذا الفيديو أو التصوير ذكرى سيئة لهم، وكذا الحال لو كانت هناك صور للكوارث، التي يروح ضحيتها أشخاص، ومن ذلك على سبيل المثال، عندما تغرق سيارة في وادٍ أو أنّ شخصاً ما يسحبه السيل، ويقوم متطفلون بتصوير مثل هذه الحوادث.

 

الثورة التقنية

ويقول الخبير التربوي علي الجنيد: من الظواهر السلبية التي يمارسها البعض خاصة الشباب، ومع ثورة التقنية وازدياد مساحات وسائل التواصل الاجتماعي، هي التصوير في الحوادث خاصة الحوادث المرورية، والمشمولين بها من مصابين ومتوفين.

وأضاف: الأسرة لها دور فاعل في رسم الإطار الذي يوجه استخدام الأبناء للأجهزة الذكية في أيديهم، وتبيان الإجراءات الاجتماعية الواجبة عليهم في حال المشاهدة والحضور بمواقع الحدث، أيضاً المدرسة عليها أن تتكفل ببناء قاعدة سلوكية قوية في فنون التعامل الاجتماعي، من خلال عدة مناهج وبرامج والأنشطة الصفية واللاصفية، وتعزيز التفكير الناقد الذي يضع مثل هذه الظواهر على طاولة النقاش ويطرحها للحوار الناجح مع المتعلمين، وتشجيع نشر ثقافة المجتمع الصحي سلوكياً ونظامياً.

دوافع معينة

ويرى الدكتور نواف النعيمي، أخصائي الطب النفسي، أن ظاهرة «تصوير الحوادث» على حساب الجوانب الإنسانية والأخلاقية والدينية من ناحية نفسية، قائلاً: «إذا تحدثنا عن سيكولوجيا المصور فسنجد أن هنالك دوافع معينة تقف وراء قيامه بهذا السلوك، تتعلق بسعيه وراء تحقيق الشهرة، بصرف النظر عن المعايير المهنية والأخلاقية، أو انتقامه من الشخص المراد تصويره بإظهاره للناس وهو في «ظروف صعبة»، وأيضاً من الدوافع قد يكون هنالك دافع مرضي، يرضي من خلاله شخصيته الاستعراضية وشعوره بنقص معين يجعله يقدم على التصوير حتى على حساب الجوانب الإنسانية»، موضحاً بأنه ليس فقط الضحية من يتأثر بالتصوير، وإنما يمتد التأثير السلبي ليشمل المصور، كذلك كونه سيشعر بالندم على هذا الفعل بسبب الرفض الاجتماعي لهذا السلوك.

 

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق