الصين: حوار الحضارات يساعد الشرق الأوسط في تحقيق الأمن

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ


يشهد عالم اليوم تغيرات لا مثيل لها منذ 100 سنة، ويعيش الشرق الاوسط اوضاعا امنية معقدة تؤثر على الاوضاع الدولية والاقليمية على نحو عميق وطويل الامد، لذلك تولي الصين اهتماما بالغا للسلام والاستقرار والامن في منطقة الشرق الاوسط، وتدعو الى تعزيز الحوار والتشاور بين جميع الاطراف حول الشؤون الامنية للمنطقة.

بناء على ذلك، سيستضيف المعهد الصيني للدراسات الدولية منتدى امن الشرق الاوسط في بكين يومي ٢٧ - ٢٨ نوفمبر.

ويتخذ هذا المنتدى عنوان «امن الشرق الاوسط في ظل الوضع الجديد ـ التحديات والمخارج»، ويتناول عدة محاور، وسيدعو المنتدى مسؤولين من المنظمات الاقليمية والدولية المعنية، وسيحضر المنتدى مسؤولو وزارة الخارجية الصينية وغيرها من الجهات الصينية والخبراء والاكاديميين من المؤسسات الفكرية المهمة، ويوفر المنتدى الترجمة الفورية للغتين العربية والانجليزية.

وفيما يلي مجموعة من المقالات لعدد من باحثي المعهد توضح الرؤية الصينية حول مفهوم السلام الجديد وتعزيز التنمية وحوار الحضارات.

بقلم: دونغ مانيوان باحث بالمعهد الصيني للدراسات الدولية

 سينعقد قريبا «منتدى أمن الشرق الأوسط» برعاية واستضافة الصين، حيث سيجتمع المسؤولون والخبراء من عشرات الدول والمنظمات الدولية، بما فيها دول الشرق الأوسط، تحت سقف واحد للتباحث حول كيفية تحقيق أمن الشرق الأوسط باعتبارها موضوعا تاريخيا ذا أهمية كبيرة، إذ إن منطقة الشرق الأوسط كانت مهدا مهما للحضارة البشرية وأنجبت من رحمها حضارات عديدة وباهرة في التاريخ، خاصة الحضارة الإسلامية ودينه الإسلامي، وأصبحت الآن موقعا مهما يؤمن اقتصاد العالم ويعزز رفاهية الإنسان.

يحتاج العالم إلى الشرق الأوسط كما يحتاج الشرق الأوسط إلى العالم.

لكن لسوء الحظ، عانى الشرق الأوسط الجميل والغني لسنين طويلة من ويلات الحروب والنزاعات والاضطرابات لأسباب معقدة، الأمر الذي يؤلم شعوب العالم كثيرا.

تتعطش شعوب الشرق الأوسط الغارقة في هذه الحالة البائسة إلى السلام والاستقرار والازدهار والسعادة وإنهاء كل الحروب والنزاعات والاضطرابات، حريصين على التباحث مع المجتمع الدولي حول السبل والطرق لتحقيق أمن الشرق الأوسط، كما يحرص المجتمع الدولي على العمل معا مع شعوب دول الشرق الأوسط على تكريس أمن الشرق الأوسط.

من أجله، ترغب الصين كعضو مسؤول في المجتمع الدولي، في توفير منبر للتباحث والتشاور.

من بين العوامل التي تؤثر على أمن الشرق الأوسط، يلعب التطرف والإرهاب دورا سيئا للغاية.

في السنوات الأخيرة، شهد المجتمع الدولي محاولة بعض القوى المتطرفة لاختطاف وتحريف دين الإسلام الأصيل وتوفير الدعم النظري والمنهجي لمختلف الأعمال الإرهابية.

في الوقت نفسه، تقوم التنظيمات الإرهابية بأشكالها المختلفة بتضخيم وتشويه التناقضات الأساسية التي تحدث في كل مجتمع، وتستغل الثغرات الاجتماعية وأخطاء الحكومة في السياسة الداخلية والخارجية لغسل أدمغة الشباب الذين يعيشون حالة الإحباط والبؤس وتحريضهم على الانضمام إلى الجماعات الإرهابية والضلوع في النشاطات الإرهابية.

حاليا، ترزح دول الشرق الأوسط المضطربة، مثل سورية والعراق واليمن وليبيا، تحت وطأة المتطرفين والإرهابيين الذين يذبحون المدنيين بطريقة بشعة ومن دون هوادة ويخربون استقرار هذه الدول ويعرقلون تنميتها الاقتصادية والاجتماعية.

إن هذه التصرفات الخبيثة استغلت ببعض حاملي الأجندة الخاصة وتسببت في بعض سوء الفهم لدين الإسلام في المجتمع الدولي.

لذلك، ستؤكد الدورة الأولى لـ«منتدى أمن الشرق الأوسط» على الأهمية البالغة لحوار الحضارات، وتكشف طبيعة التطرف والإرهاب وتسلخ الغطاء الذي يختبئان تحته، وتبذل جهودا حثيثة لدفع حوار الحضارات وصيانة الصورة الإيجابية لدين الإسلام وتبديد سوء الفهم وتعزيز التعاون بين دول الشرق الأوسط والدول خارج المنطقة، والمساهمة بأفكار وتوصيات لتحقيق أمن الشرق الأوسط.

كيف نجعل حوار الحضارات فعالا؟ أولا، يجب تبني مفهوم المساواة بين جميع الحضارات، إذ إن الحضارات تختلف عن بعضها البعض، لكن لا تتفوق إحداها على الأخرى.

يجب على مختلف الحضارات احترام بعضها البعض، ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال الحوار فيما بينها.

ثانيا، لا يوجد أي مانع من تحقيق الاحتضان والتعايش المتناغم بين الحضارات.

ثالثا، لا يوجد أي مانع من تحقيق الاستفادة المتبادلة والازدهار المشترك والتنمية المشتركة بين الحضارات.

لا تتحقق المساواة والاحترام المتبادل والاحتضان والتعايش المتناغم والاستفادة المتبادلة والازدهار المشترك والتنمية المشتركة بين الحضارات من تلقاء نفسها، بل تتطلب جهودا مضنية وتذليل العقبات.

في السنوات الأخيرة، جاء أكبر عائق لحوار الحضارات من انتشار نزعة الأحادية و«المعايير المزدوجة».

مثلا، ينظر بعض الشخصيات السياسية والخبراء في بعض الدول الغربية إلى دين الإسلام والمسلمين بالانحياز والتمييز، وما زالوا يستخدمون العبارات مثل «الإرهاب الإسلامي» و«الفاشية الإسلامية»، بعبارة أخرى، إنهم يساوون بين دين الإسلام والمسلمين وبين الإرهاب والفاشية، ذلك يمثل تشهيرا لدين الإسلام العظيم والمسلمين.

والسبب وراء ذلك ايديولوجي، إذ جاء اتهامهم غير المبرر ضد دين الإسلام والمسلمين من غطرستهم وشعورهم بالتفوق من حيث العرق والدين والقيم، الأمر الذي يترك تأثيرا سيئا للغاية يضلل الرأي العام.

مثل آخر، تتغاضى دولة غربية كبيرة حقائق احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، بل تصف نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال بـ«الإرهاب»، بينما تصف الضربات العسكرية التي تشنها إسرائيل على المدنيين الفلسطينيين بـ«مكافحة الإرهاب»، وذلك ليس إلا قلب الحقيقة رأسا على عقب والمعايير المزدوجة.

إضافة إلى ذلك، فيما تسمي الدولة الغربية الكبيرة الهجمات التي تستهدف مصالحها «الإرهاب»، بينما تستخدم مسميات أخرى للهجمات الإرهابية ضد الدول التي تنوي احتواءها، وهو مثل آخر لـ«المعايير المزدوجة». في بعض الدول الغربية، إذا كان منفذ الهجوم مواطنا غربيا، تقوم السلطات دائما بتصنيف القضية كقضية جنائية عادية، أما إذا كان المنفذ مهاجرا أو لاجئا مسلما، فتصنف القضية كـ«هجوم إرهابي» من دون تردد.

كل هذه الأمثلة تكشف لنا أن ظاهرة التمييز والتشهير و«المعايير المزدوجة» ضد دين الإسلام والمسلمين منتشرة في العالم الغربي كله وتحشر أنفه في كل مكان.

ها هو التحدي الرئيسي لحوار الحضارات، بعبارة أخرى، إذا أردنا حوارا جيدا بين الحضارات، يجب على المجتمع الدولي إجراء حوار ودي مع دول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، هذا من جهة ومن جهة أخرى، يجب تعزيز التضامن والتعاون مع دول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي في نضال حازم ومشترك ضد الغطرسة العرقية والانحياز الديني و«المعايير المزدوجة».

ثمة الصداقة والتواصل التقليدي بين الشعب الصيني وشعوب دول الشرق الأوسط، وهناك علاقات الصداقة والتعاون جيدة بين الصين وجميع دول الشرق الأوسط، سواء كان في الماضي أو في يومنا هذا.

تحترم الصين دين الإسلام والحضارة الإسلامية، وتعمل على التحاور والتواصل والتنافع والتعاون مع دول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

اليوم، يواجه التعاون الودي بين الصين ودول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي فرصة تاريخية مهمة تتمثل في رغبتها المشتركة في بناء «الحزام والطريق» وتحقيق التنمية المشتركة القائمة على المنفعة المتبادلة والكسب المشترك، وإرادتهما المشتركة لإيجاد المبادئ والطرق والسبل لتحقيق أمن الشرق الأوسط، عبر الحوار والتشاور وعلى أساس الامتثال للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وبشرط احترام سيادة دول الشرق الأوسط وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والطرق والأنظمة والأنماط التي تختارها.

لن يحقق الشرق الأوسط التنمية المستدامة ولا رفاهية لشعوبه ولا أمن العالم إلا بعد بسط الأمن فيه، ولن يحقق العالم التنمية المنشودة ولا رفاهية لشعوبه إلا بعد تحقيق التنمية في الشرق الأوسط.

الرئيس الصيني شي جينبينغ

الإسهام بالحكمة الصينية في تحقيق السلام الدائم بالمنطقة

بقلم: لي زيشين - باحث مساعد بالمعهد الصيني للدراسات الدولية

عانت منطقة الشرق الأوسط منذ زمن طويل من ويلات الحرب والفوضى، حيث تتوالى الحروب بين الدول والصراعات الجزئية، وينشط فيها التطرف والإرهاب بلا رادع ولا وازع، الأمر الذي يعرقل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة بشكل كبير. على الرغم أن دول الشرق الأوسط تمتلك الموارد الوافرة، غير أنها لاتزال تعاني من «عجز التنمية» و«عجز الأمن» الشديدين.

هناك أسباب كثيرة أدت إلى «العجز الأمني» في الشرق الأوسط، بما فيه الاستعمار والصراع بين القوى العظمى والخلافات العرقية والنزاعات المذهبية والصراع على الطاقة، وهي تشكل مخاطر كامنة لأمن المنطقة. في حقبة الحرب الباردة، كسرت الصراعات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي التوازن الأمني الهش في المنطقة مرة تلو أخرى، وكثرت التحالفات العابرة داخل المنطقة وخارجها ، ويكاد الهيكل الأمني للشرق الأوسط ينهار بسبب عقلية لعبة صفرية المحصلة. بعد حرب الخليج، أصبحت الولايات المتحدة، بالاعتماد على حلفائها، القوى العظمى الوحيدة التي تسيطر على الشرق الأوسط، وتمكنت من بسط استقرار مؤقت في المنطقة بواسطة الهيمنة. لكن في مطلع القرن الـ 21، أوقعت الحروب التي شنتها الولايات المتحدة على أفغانستان والعراق، والشرق الأوسط في اضطرابات مستمرة مرة أخرى، حيث انتهجت إدارة بوش الابن استراتيجية الضربة الاستباقية وقامت بتدخلات سافرة وأحادية الجانب في الشرق الأوسط، وفرضت ما يسمى بـ «مشروع الديموقراطية في الشرق الأوسط الكبير»، الأمر الذي دمر المنظومة الأمنية القديمة في الشرق الأوسط بشكل كامل. ثم سعت إدارة أوباما لإخراج الولايات المتحدة من مستنقع الشرق الأوسط باستراتيجية «البصمة الخفيفة»، حيث سارعت بتنفيذ الانكماش الاستراتيجي، مما ترك فراغا أمنيا ضخما في الشرق الأوسط. وزادت التغيرات الهائلة في الشرق الأوسط منذ عام 2011 حدة الأزمة الأمنية في المنطقة. بسبب تشرذم الخريطة الجيوسياسية وعجز حكومات عدة عن إدارة أراضيها، تنامى تنظيم «داعش» بسرعة تفوق توقعات المجتمع الدولي وأدى إلى خسائر فادحة لا تقدر للشرق الأوسط والعالم بأسره. لغاية اليوم، لم تنته الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط ولم تحل تهديدات الإرهاب بشكل فعال، ما يزيد الأمر سوءا هو سياسة النفعية القصوى التي تنتهجها إدارة ترامب التي تدفع الوضع للانزلاق نحو حالة الانفلات بشكل سريع.

إن الأمن والأمان الدائمين في الشرق الأوسط لا يمثلان رغبة دول الشرق الأوسط فحسب، بل الهدف المشترك للمجتمع الدولي. ليست الصين متفرجة على قضية أمن الشرق الأوسط، بل هي شريك التعاون الموثوق به لدول الشرق الأوسط.

إن قضية فلسطين القضية المحورية للسلام في الشرق الأوسط، وتمثل تسويتها طريقا مهما لتحقيق العدالة والإنصاف في الشرق الأوسط. وتدعم الصين الجديدة منذ تأسيسها وبكل ثبات المطالب المشروعة والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبذلت جهودا دؤوبة ومستمرة في سبيل دفع عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية. وستواصل الصين الوقوف إلى جانب العدالة وإحقاق الحق والنصح بالتصالح والحث على التفاوض والدفع بتنفيذ كل الاتفاقيات المتفقة عليها بين مختلف الأطراف.

إن الوضع الأمني الراهن في الشرق الأوسط معقد وحساس للغاية، وتتعرض المنظومة الأمنية للمنطقة لمخاطر «التشرذم»، في حين تواجه الحوكمة الأمنية في المنطقة سلسلة من المشاكل التي تضع عقيدتها وآليتها وأهدافها على المحك. إن المفاهيم الأمنية القديمة المتمثلة في عقلية الحرب الباردة واللعبة الصفرية والهيمنة قد عفى عليها الزمن، بل ستزيد الوضع تفاقما.

وفي ظل التغيرات الكبيرة التي لم يشهدها العالم منذ مائة سنة، طرحت الصين مفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، ودعت إلى تكريس وصيانة المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية القائمة على مقاصد «ميثاق الأمم المتحدة»، سعيا لتحقيق الأمن والأمان الدائمين في الشرق الأوسط.

الحفاظ على العدالة والإنصاف وتحقيق الأمن المشترك

إذا غابت العدالة فلن تأتي الاتفاقات إلا بسلام بارد ومؤقت. ولا تنفصل الاضطرابات المستمرة في الشرق الأوسط عن فقدان العدالة والإنصاف. فلا يمكن تقسيم أمن المنطقة ولا يوجد ملاذ آمن فيها. ويجب على جميع الدول بذل جهود مشتركة على أساس مبدأ المساواة والاحترام. إذ لا يمكن لأي دولة أن تكسب الاستقرار من الفوضى في الدول الأخرى، وقانون الغاب ليس الطريق الصحيح للتعايش بين الدول. إن السعي وراء الأمن المطلق والمنفعة القصوى لنفسه يؤدي دائما إلى تفاقم الوضع الأمني، وشأنه شأن من يرفع الحجر ليسقط على قدميه.

تعزيز التشاور والحوار وتكريس التسامح والثقة المتبادلة

لا يمكن تحقيق الأمن الدائم إلا من خلال التشاور المتساوي والحوار السياسي الشامل. لا تحل المشاكل بالقوة العسكرية، ولا يتحقق الأمن الدائم بعقلية لعبة صفرية المحصلة. رغم أن عملية الحوار والتشاور تستغرق وقتا طويلا ودائما تتعرض لانتكاسات، غير أن الحوار الشامل يوفر البيئة الأمثل لبلورة الثقة المتبادلة التي تعتبر أهم مقدمة وأساس لتثبيت إنجازات السلام وتوسيع التعاون المحتمل. في الوقت الحالي، ترغب جميع دول الشرق الأوسط في وقف أعمال العنف وإطلاق مفاوضات السلام، فيجب على دول خارج المنطقة العمل على النصح بالتصالح والحث على التفاوض، بدلا من صب الزيت على النار.

تعزيز التعاون المتعدد الأطراف وتحقيق التنمية المستدامة

لقد أثبت التاريخ أن نزعة الأحادية عاجزة عن تسوية قضية الأمن في الشرق الأوسط، بل ستزيد الوضع توترا. تنتهج بعض دول خارج المنطقة سياسة النفعية القصوى في الشرق الأوسط لتحقيق مصالحها الذاتية، حيث تنسحب من الاتفاقيات والتحالفات وتفرض الضغوط القصوى والاختصاص الطويل الذراع، مما وضع عقبات عديدة أمام الحل السلمي للأزمات. يجب على كل دول داخل المنطقة وخارجها الالتزام بالتعاون المتعدد الأطراف وتعزيز السلام عن طريق التعاون وتعزيز التنمية عن طريق السلام، وصولا إلى التفاعل الإيجابي للأمن والتنمية في الشرق الأوسط.

إن الصين دولة كبيرة ومسؤولة وصديق موثوق به لدول الشرق الأوسط. وستلتزم الصين كالمعتاد بمفهوم العدالة والإنصاف والاحترام المتبادل والتعاون والكسب المشترك، وتعمل يدا بيد مع دول الشرق الأوسط على تقديم إسهاماتها في بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية. كما قال الرئيس شي جينبينغ، «إن الصين تحرص على العمل معا مع دول المنطقة لصيانة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط والدفاع عن العدالة والانصاف ودفع التنمية المشتركة والاستفادة المتبادلة كصديقين حميمين»، بما يساهم بالحكمة الصينية في تحقيق السلام الدائم والتنمية في الشرق الأوسط.

تعزيز المواءمة الإستراتيجية لتدعيم التنمية في الشرق الأوسط

بقلم: قونغ تين - باحثة مساعدة بالمعهد الصيني للدراسات الدولية

يعتبر الشرق الأوسط أحد المهود المهمة للحضارة البشرية وهمزة الوصل بين القارات الثلاث والبحار الخمسة، غير أنه عانى كثيرا من ويلات الحروب والاضطرابات الأمنية التي ترجع بالأساس إلى التجاذبات بين القوى العظمى والنزاعات العرقية والدينية، إضافة إلى نشاطات القوى المتطرفة.

يكمن المخرج الأساسي لقضية أمن الشرق الأوسط في التنمية. تسعى المنطقة إلى الاستقرار والتنمية باعتبار ذلك التيار السائد والرغبة لشعبها، بينما تدعو الصين إلى التنمية السلمية وإقامة علاقات دولية يسودها السلام والاستقرار والتعاون والكسب المشترك، فمن المبين أن هناك توافقات كثيرة بين الجانبين من حيث المفهوم والرؤية.

منذ ولادة مبادرة «الحزام والطريق» التي تلتزم بمبادئ التشاور والتعاون والمنفعة للجميع، زاد التوافق بين الصين والشرق الأوسط حول الرؤى والخطوات التنموية في المنطقة. يعمل الجانبان على تعزيز المواءمة بين مبادرة «الحزام والطريق» والاستراتيجيات التنموية في الشرق الأوسط، الأمر الذي سيساهم في تمتين أسس التنمية الطويلة الأمد للشرق الأوسط وتعزيز الفهم المتبادل بين الشعبين.

لا تتمتع الصين والشرق الأوسط بقواسم مشتركة واسعة في مفهوم التنمية فحسب، بل بصفات تكاملية عديدة في البنية والحاجات الاقتصادية. في السنوات الأخيرة، حققت الصين والشرق الأوسط العديد من الإنجازات الملموسة في دفع المواءمة الاستراتيجية والتعاون العملي.

أوضح الرئيس شي جين بينغ طبيعة مبادئ التشاور والتعاون والمنفعة للجميع بشكل مستفيض خلال حضوره للدورة السادسة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- العربي عام 2014 وزيارته إلى مقر جامعة الدول العربية عام 2016، وطرح مبادرة التعاون الصيني- العربي في بناء «الحزام والطريق». في عام 2018، اعتمدت الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- العربي «الإعلان التنفيذي الصيني- العربي الخاص ببناء الحزام والطريق»، وأكد الجانبان فيه الشراكة الطبيعية بينهما في بناء «الحزام والطريق»، قد وقعت الصين وثائق التعاون لبناء «الحزام والطريق» مع 18 دولة عربية، وانضمت 7 دول عربية إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية كأعضاء مؤسسة، كما تقدم التعاون بين الجانبين في مجالات البنية التحتية والقدرة الإنتاجية والطاقة والمالية بخطوات متزنة.

في هذا السياق، قامت الصين وإيران بتوظيف المزايا لكل منهما وحققتا إنجازات عديدة في مجالات الطرق والبنية التحتية والطاقة. كما وقعت الصين مع تركيا مذكرة تفاهم بشأن المواءمة في إطار المبادرة في عام 2015، ما جعل التعاون بينهما في مجالي القدرة الإنتاجية والبنية التحتية مقبلا على آفاق واعدة، بما فيه المرحلة الثانية من مشروع السكك الحديدية الفائقة السرعة بين أنقرة وإسطنبول باعتباره أول سكك حديدية فائقة سرعة تقاولها الشركات الصينية خارج البلاد. وتتبنى إسرائيل موقفا إيجابيا من المشاركة في «الحزام والطريق»، وقاولت الشركات الصينية فيها العديد من مشاريع البنية التحتية، وأقيمت «علاقات الشراكة الشاملة للابتكار» بين البلدين.

في الدورة الثانية من منتدى «الحزام والطريق» للتعاون الدولي، حققت الصين ودول الشرق الأوسط تقدمات جديدة في زيادة تعميق التعاون المتبادل المنفعة. حضر المنتدى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء الإماراتي وغيرهما من القادة، أشار البيان المشترك الصادر عن اجتماع المائدة المستديرة للمنتدى إلى ضرورة تعزيز المواءمة بين السياسات التنموية، وأكد الفرص التي أتت بها الجامعة العربية واستراتيجية طريق الحرير بدبي وغيرهما من المبادرات وأطر التعاون، تم إبرام «مبادئ الاستثمار الأخضر في إطار الحزام والطريق» بين الصين والإمارات وغيرها من الدول والمؤسسات المالية الرئيسية في المنطقة، في هذا السياق، استثمر صندوق طريق الحرير الصيني في مشروع المحطة الكهروضوئية بدبي، وقامت الشركات الصينية باستثمار وبناء مشروع «الحزام والطريق» للتجمع التجاري واللوجستي في دبي، أقامت الصين آلية «طريق الحرير البحري» لتعاون الموانئ مع مصر والإمارات وغيرهما من 13 دولة، أقامت الصين علاقات الشراكة في إطار «الحزام والطريق» مع العراق والكويت وتركيا وغيرها من 28 دولة للتعاون في مجال الطاقة، كما وقعت الصين وإسرائيل على وثائق التعاون في مجال التكنولوجيا والابتكار. استشرافا للمستقبل، تتمتع الصين والشرق الأوسط بإمكانية كامنة هائلة في تعزيز المواءمة الاستراتيجية وتعميق التعاون العملي وتحقيق الكسب المشترك، وهما مقبلان على آفاق رحبة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق